مقاتل ابن عطية
372
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
نقض عليها ، ولكن يتساءل المرء عن سبب نهي عمر بن الخطّاب عن المتعتين ، هل كان بداعي الإصلاح أم وراء الأكمة ما وراءها ؟ ! إن الخلفية الذهنية التي انطلق منها عمر بن الخطّاب ، هي خلفية عشائرية حملها معه قبل الإسلام ، تلزم الباحث بالوقوف بوجه أفكاره الجاهلية ، وبالإذعان بشدة العصبية التي كان يتصف بها الرجل المذكور ، فعند ما أطلق تحريمه للمتعتين كغيرها من الموارد التي حرّمها على المسلمين ، كان يروم من خلاله تقويض مبادي الإسلام ، وهل يملك الصلاحية التشريعية لكي يحرّم ما أحلّه اللّه ؟ ! لا أحد يملك صلاحية كهذه ، لأن اللّه وحده هو المشرّع ، فلا حكم إلا له ، ولا راد لقضائه ولا سلطان إلّا سلطانه ، وكيف يتجرأ على اللّه سبحانه بقوله : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنا أحرّمهما وأعاقب عليهما ؟ ! إن ما ذهب إليه عمر ينمّ عن انعدام الثقة باللّه وبرسوله بل وانعدام الإيمان بهما ، هذا مضافا إلى سيطرة المشاعر الجاهلية على قلبه وعقله ، فلم يكن تحريمه لهما غيرة على الدين - كما يحاول البعض إلصاقها به - لأن الغيرة لا تستتبع أن يحرّم ما أحلّ اللّه ، وهل هناك أحد أشدّ غيرة على الدين من اللّه ورسوله وآل رسوله ؟ ! وهل الغيرة أن يحرّم المرء ما أحلّ اللّه ورسوله ؟ ! قد يقال : [ دعوى تحريم عمر للمتعة بسبب سوء الاستفادة منها ونقضها ] إن تحريم عمر لمتعة النساء كان نتيجة خلل حصل من سوء الاستفادة منها كما أومأ لذلك صاحب الإصابة « من أن سلمة بن أمية استمتع من سلمى مولاة حكيم بن أمية بن الأوقص الأسلمي فولدت له فجحد ولدها ، فبلغ ذلك عمر فنهى عن المتعة » . والجواب : لا ملازمة بين معالجة الخلل وبين تحريم المتعة ، فبدلا من التحريم ، كان عليه التقويم والتنظيم ، بمعنى أنه كان عليه أن ينظّم العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة من خلال العقد المنقطع ، لا أنه يحرّم ويعاقب فاعلها ، وإلّا على هذا الأساس كان عليه أن يحرّم أغلب الأوامر الإسلامية نتيجة سوء الاستفادة